أحمد بن علي القلقشندي
12
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
مشروعه ، وراية سعيدة في مظاهرة متبوعه ، وعقد له الولاية الجهاديّة التي لا تعدل بولاية ، ولا توازن عناية المعتمد بها بعناية ، يشهد بصراحة نسبها الدين ، وتتحلَّى بحلى غرّتها الميادين . فالجهاد في سبيل اللَّه نحلة نبي الأمّة ، ومن بعده من الأيمّة ، لا سيّما في هذا القطر المتأكَّد فيه ذلك لأولي الدّين والهمّة . فليتولّ ذلك تولَّي مثله وإن قلّ وجود مثله ، جاريا على سنن مجده وفضله ، سائرا من رضا اللَّه على أوضح سبله ، معتمدا عليه في الأمر كلَّه . وليعلم أن الذي يخلق ما يشاء ويختار قد هيّأ له من أمره رشدا ، وسلك به طريقا سددا ( 1 ) ، واستعمله اليوم فيما يحظيه غدا ، وجعل حظَّه الذي عوّضه نورا وهدى ، وأبعد له في الصالحات مدى - ولينظر فيما لديه من القبائل الموفورة ، والجموع المؤيّدة المنصورة ، نظرا يزيح العلل ، ويبلَّغ الأمل ، ويرعى الهمل ( 2 ) ، ويحسن القول وينجح العمل ، منبّها على أهل الغناء والاستحقاق ، مستدرّا للعوائد والأرزاق ، معرّفا بالغرباء الواردين من الآفاق ، مطبقا منهم للطباق ، متغمّدا للهفوات بحسن الأخلاق ، مستجيدا للأسلحة والكراع ( 3 ) ، مبادرا هيعات ( 4 ) الصّريخ بالإسراع ، مسترعيا للمشورة التي يقع الحكم فيها عن حصول الإجماع ، رفيقا بمن ضعف عن طول الباع ، محتاطا على الإسلام في مواقف الدّفاع ، مقدما عند اتّجاه الأطماع ، صابرا في المضايق على القراع ، متقدّما للأبطال بالاصطناع ، مقابلا نصائح أولي الخبرة بحسن الاستماع ، مستعملا في الحروب ما أجازه الشرع من وجوه الخداع حتّى يكون عمله وفق شهرته البعيدة المطار ، وسيرته فيما أسند إليه مثلا في الأقطار ، واستقامة التدبير على يديه ذريعة إلى إرغام أنوف الكفّار ، بقوّة اللَّه وحوله وعزّته وطوله .
--> ( 1 ) السدد : القصد والاستقامة . والسدد أيضا مقصور من السداد . ( 2 ) الهمل : اسم جمع لهامل . ( اللسان : 11 / 710 ) . ( 3 ) الكراع : جماعة الخيل . ( 4 ) الهيعة : الصوت تفزع منه وتخافه من عدوّ . ويقال أيضا : الهائعة .